د. مروان الغفوري 
كطبيب من خارج وحدةٍ ما، أنت تعبر الآن في ممراتِها ربما لأول مرّة.. تجد نفسك مضطرّاً ، للخروج من التيه، لسؤال ممرّضة واقفة أمامَك بشموخ كليوبترا، بينما هي تفرقع ضحكاتها عبر هاتفها الجوّال. لم تكن تتوقع إجابتها، لكن هذا ما حدث بالطبع( هكذا كنتَ تتحدثُ إلى زميلك في صباح اليوم التالي بينما أنتما تتأخّران عن الدوام كالعادة). تشيح الممرضة بيدِها، طاردةً حضورك المفاجئ كعفريت احتياطي.. لم تكُن الممرضةُ تشير إلى المكان الصحيح الذي تبحث عنه. على عكس ذلك تماماً ، فهي أرادت أن تقول لك: أرجوك،مش فاضية لك دلوقتي! يحدث هذا رغم اللوحة المعلّقة على صدرك (طبيب) والسماعة المنحشرة في عنقك.. وعلامات وجهك القريبة من هيئة الكاهِن.
ينتهي دوامُك بالكاد، وكعادتك كل يوم تندسّ علانيّة في طابور الغداء في مطعم المشفى. الطابور طويل جدّاً، بالنسبة لجائع مرهق، بينما عمّال النظافة والصيانة وعموم مكاتِب المشفى يخترقون الطابور أمامك، متجاهلين دورَك، كلّ بحسب علاقاته الحميمة بالسابقين الأوّلين في الطابور. تفقد هدوءك، فتقول بصوت حازم : يا جماعة اللي بتعملوه ده مش صح.وبرغم حالة الهدوء التي تعم أجزاء الطابور إلا أن احداً لن يسمعك فضلاً عن أن يكون أحدُهم أبٍه لحضورِك، أصلاً.وفي ساعة المواجهة المباشرة مع عمّال المطعم، ستسمع موظّفاً وسيماً يبتهِل أمام الطاهي : أرجوك زوّدني شوية، اللحمة حق الأسبوع اللي قبل رمضان كانت كلها عظم!
يحدث ،أيضاً، أن شخصاً ما يدخل عيادتك بصحبة زوجته المريضة.وبمجرّد جلوسهما معاً، يرن هاتفه الخلوي. تتجاهل أنت الأمر، فتبتدئ استقصاءك الطبي والنفسي لحالة المريضة. يرفع الشخص المرافق تلفونه إلى أذنه، وبحركة مثيرة للدهشة يمومئ بيده اليسرى تجاهك : شششششششش .. وينطلق في حديثه عبر هاتفه الخلوي، وعلى فمك قصة يمنية ساخرة : ذلك الطربوش من ذاك العقال!
يحدث ، أيضاً، أن تسمع نصائح رسالية عن ضرورة أن تبتسم، كطبيب وكموظف، إلى المرضى والعملاء إجمالاً. هؤلاء المبشّرون بالضحك لن ينسوا أبداً تذكيرك بحقيقة أن ابتسامتك في وجه العميل هي الجزء المفصلي في قصة نجاحك الوظيفي. وعندما تغادر، وحدَك، مكان الموعظة الحسنة ستتذكر جيّداً أن أحداً من هؤلاء الناصحين لم يبتسم في وجهِك، أنتَ الموظف الجاد، ولو ربع ابتسامة.. لثانية واحدة، على الأكثر، في قصة الوظيفة كلها!
يحدث أن يصاب البسطاء بالزعامة ويمتلئَ العامِلون بالألوهيّة .. وبمنتهى البساطة يتحوّل الموظف الجديد،المتمسكِن منذ أسبوع واحدٍ فقط، إلى ناقد جبّارةٍ للجملة الإدارية في المشفى. يتحدّث بإفراط عن خطإ لا يسقط بالتقادُم، وأناس في غير أماكِنهم .. يدورُ العامُ الوظيفي على كعبه الممزق، ولا يزالُ صديقُنا منفرداً على منبره ينتقد الرائحة والغادية ، في حين يتهامس زملاؤه في المهنة عن جهله بأبسط التزاماته الوظيفيّة .. وفي لحظة مغادرة عملاء كثيرين للمشفى، يتمنّون بحقّ لو أنّهم لم يقابلوا مثل هذا النوع من الموظّفين في مثل هكذا مكان حيوي!
يحدث أن يسرّ إليك شخص مهم، في المشفى، بتبرّمه من شخصية منتشرة بين الأطبّاء ، يلقّبها بـ Pre-Madonna image. وفي ساعة المكاشفة هذه، رغم أنك غير مهم على الصعيد الإداري الأعلى، يمتدِحُك كثيراًَ بوصفك الاستثناء الأبيض الآحاد.. يفعل هذا رغم استيفائك للشروط النفسية المحدّدة لهذه الشخصية المرضية، حسب تعريفه لها.ويحدث، في السياق ذاته، أن يتبادل عشرة أطباء،في حفلة عشاء شهرية، بعض الحديث النظري عن المشفى، لتكتشف فجأةً أنّك لست الأستثناء الأبيض الآحاد، كما اعتقدت من قبل، وأن هذا الطابور الذي يقف معك على صحن العشاء،الآن تماماً، هو استثناء أبيض، مثلك ..بشهادة الشخص المهم نفسه!
يحدثُ، في أحايين كثيرة .. أن تكتشف أنّ قيمة حضورك موازية لغيابِك. ويكتشف آخرون قيمة حضورِك بمجرّد حديثِك عن إجازة لنصف يوم .. فيما يمكن أن يشبه متلازمة البطل والكمبارس، بالضبط تماماً.