سبق لنا أن أجرينا مسابقة بعنوان (لو كنت مديراً) وحصلنا من خلالها على عشرات المشاكل والحلول والتي قدمت جميعها لقيادة المستشفى، والمتعارف عليه وفق مبادئ الإدارة الحديثة أن أهم المشاكل هي تلك الصادرة عن العملاء سواء كانوا داخليين (موظفين) أو خارجيين، وكذلك أهم الحلول هي تلك التي تصدر عنهم أيضاً.
ومع أن الذين اشتركوا في المسابقة لم يتجاوزوا 5% من الموظفين، ولكن الذي لا نعلمه هو كم نسبة الموظفين الذين تخيل كل منهم أنه مدير المستشفى؟ كم تتوقع؟ 10% أم 20% ، على العكس فهم أكثر من ذلك بكثير، بل ليس من المستغرب إذا اتضح أن جميع العاملين في المستشفى خطر في بالهم ذلك – ولو لوهلة- ، لكن بقاء الخاطر أو زواله تتحكم فيهما عوامل عديدة مثل اتساع الأفق ومدى الطموح والقدرات والثقة بالنفس ورؤيتنا للآخرين.
ودعنا نفترض الآن أن ذلك حدث فعلاً، وبغض النظر عن مهاراتك وخبراتك وقدراتك ومؤهلاتك فقد تم إخبارك أن مجلس الإدارة قد أقر بالإجماع أن تصبح مديرا للمستشفى فهل سيكون ذلك مدعاة لسعادتك؟؟!. تمهل ولا تستعجل في الرد، ودعنا نناقش الأمر وحيثياته، هل تعتقد أن الموظفين سيكونون سعداء بقدومك؟ قد تعجب إذا علمت أن بعض من يعملون معك في نفس إدارتك لن يسعدهم تعيينك، فقد يعتقد بعض زملائك أنهم أحق منك بهذا المنصب، و قد يصل الأمر أن يتمنى بعضهم فشلك، ولا داعي للعجب عندما تبدأ المشاكل مع أصدقائك القدامى الذين أصبحوا مرؤوسين لك، فأنت لا تريد أن تؤثر صداقاتك على عملك أو عملهم، والكثير من أصدقائك لن يقدروا ذلك.
والأسوأ من ذلك أنك غالباً ما سيطرا عليك التغيير شأن معظم المدراء الجدد الذين يطيلون النظر إلى أعلى، حرصاً منهم على إرضاء الجهة العليا التي كانت سبباً في تعيينهم، ولكنهم للأسف قلما ينظرون إلى أسفل (أي إلى مرؤوسيهم)، مع أن تأثير المرؤوسين على مستقبلهم الإداري أهم من تأثير رؤسائهم، لكن كثيراً من المدراء يتجاهلون ذلك، ولا تتوقع أنك بمنأى عن التغير بل الأكثر من ذلك فلا تتعجب إذا أصبحت تعتقد أنك أذكى من الآخرين، لمجرد أنك أصبحت مديراً، بل إنك أصبحت أذكى من زملاء لك كنت تشهد لهم بالتميز وتتعلم منهم، أما الآن فقد تتحاشى حتى مواجهتهم لأنك تتذكر عند رؤيتهم بأنك أقل منهم، ولأنك تخشى أن يتعاملوا معك بنفس الأسلوب السابق وكما تعودوا دون توقير كافي، مما قد يدفعك كلما رأيت أحداً منهم إلى رفع رأسك وشد قامتك ومد يدك لتثبيت ربطة عنقك (التي أصبحت لا تتخلى عنها مؤخراً) كي تذكر زميلك السابق أنك أصبحت مديراً وربما تؤكد لنفسك ذلك أيضاً.
نعم،.... لقد كنت موظفاً كغيرك لا تخلو من سلبيات لكن الموقع الذي أصبحت فيه أسهم في إبراز سلبياتك لما يحويه من تحديات وظيفية، وإذا بك تدريجياً قد أصبحت موضع تندر لمرؤوسيك، كما كنت تفعل معهم تماماً حين كنت تشاركهم تندرهم ونكاتهم على مديرك السابق.
هل فكرت أنك ستواجه أنواعاً من السلوك التي لا ترضى عنها لدى الموظفين في الوقت الذي ليس بإمكانك إجراء تغيير جذري في سلوكهم؟، هل فكرت أنه ليس بإمكانك إيجاد الحلول لجميع مشاكل المستشفى وموظفيها؟، وأنه يصعب عليك كثيراً تعزيز الولاء الوظيفي لدى العاملين لأنك ستجد منهم مطالب كثيرة وقد تكون معظمها منطقية ومعقولة، لكن في المقابل ستجد أن كلمات مجلس الإدارة لا زالت ترن في إذنك والتي تطالبك بالحد من النفقات لكي يتمكن المستشفى من الاعتماد التام على دخله، بينما ستجد أن المقابلات التي ستجريها مع الأقسام ستثقلك بالمطالب والاحتياجات والأمور المعلقة، وهذا فضلاً عن عشرات المطالب الخاصة ببعض الموظفين والتي ستصلك بوسائل عديدة (مباشرة أو غير مباشرة) وكل واحد من هؤلاء ربما يرى أنه الوحيد الذي طلب منك طلباً خاصاً ويعتقد أنه محق تماماً في مطلبه فهو متأخر في الترقية مقارنة بزملائه، أو راتبه أقل، أو التزاماته أكثر أو أنه صاحب ظرف خاص.
هل تخيلت أنك ستكون بحاجة لأن ترأس اجتماعات ولقاءات هامه يحضرها أكاديميون واستشاريون، وقد تتسرع بالإجابة عن كل سؤال يوجه إليك حتى لو كنت تجهل الإجابة عليه لأنك تعتقد أن التردد في الإجابة سيفسر بأنك جاهل أو ضعيف، بينما أنت بحاجة أن ترسم لنفسك صورة خلابة في أذهان المرؤوسين، أما أن تصمت فهذا أمر قد تتحاشاه مخافة أن يفسر صمتك على أنه جهل، وإذا بك ودون علم تتحدث في كل موضوع وتفتي في كل أمر حتى بين ذوي الاختصاص، والعجيب في كل تصرفاتك أنك غالباً ما ستكون غير مكترث بما تعمل ولا تدرك الأخطاء التي تقع فيها، وقد تخسر أصدقائك المخلصين من بين مرؤوسيك واحداً تلو الآخر لأنهم سيبداؤن بإسداء النصائح إليك بدافع من حرصهم على المستشفى وعليك أيضاً، لكنك لن تسر بسماع ملاحظاتهم ونصائحهم، في الوقت الذي يمكن أن تكون محاطاً بالأصدقاء (المزيفين) الذين يوافقونك على كل إجراء تتخذه دونما تقييم موضوعي لما تقوم به من إجراءات، إن هؤلاء هم أول من سيلتفون حولك فور تعيينك مديراً لأنهم يعتبرونك سبيلاً لتحقيقهم أغراضهم الشخصية سواء كانت أغراضهم حسنة أم قبيحة، وهؤلاء تسميهم كتب الإدارة (فريق نعم)، ومع أنهم مكشوفون لأي مدير مبتدئ ولكن الشيء الملفت للنظر أنك دون إدراك سترى فيهم الأصدقاء الناصحين الذين أمكنهم الانتباه لمواهبك الخفية ولإبداعاتك المتكررة التي لولا وجودها ما أصبحت في موقعك هذا، حتى أنك ستلاحظ أنهم يعجبون بكل طرح تطرحه وقد تستغرب كيف أصبحت نكتك القديمة مضحكة جداً عند هؤلاء، ومما لا ينكر لأصدقائك (المزيفين) الجدد أن وسائلهم في التقرب إليك ستكون من خلال أمور مرغوبة لديك.
وبعد ما ذكرنا، .... أليس الأمر بحاجة لكثير من التفكير، وإذا كان نقاشنا الهادئ يستند إلى مفاهيم إدارية متعارف عليها وكثيرة الحدوث في مختلف أنواع المنظمات الادارية، فإن الأمر عند إدارة المستشفى يكون أكثر تعقيداً بكثير مما يمكنك تخيله، ولا نبالغ إذا قلنا أن المستشفيات هي أشد المنظمات الإدارية صعوبة في إدارتها على الإطلاق، هل سبق وسمعت أنه تم التعاقد مع شركة عالمية لإدارة مصنع أو جامعة أو شركة تجارية؟ أم أن المألوف هو الاستعانة بالشركات لإدارة المستشفيات لأنها الوحيدة التي تجمع بين تقديم الخدمات العلاجية والتعليم الأكاديمي والتدريب النوعي المتخصص وتقديم خدمات فندقية على مستوى راقي، فضلاً عن الحاجة لتوفير منفذ خدمات على مدار الساعة (الطوارئ)، وهي بحاجة لأنظمة إدارية ومالية ومحاسبية وتقنية عالية، والأصعب من كل ذلك التباين الكبير في مواردها البشرية فهي تحوي ضمن كوادرها أساتذة الجامعات وأكثر الأطباء شهرةً وتميزاً جنباً إلى جنب مع الكوادر الخدمية البسيطة من عاملي التدبير والحراسة وغيرهم ممن قد لا يحسنون القراءة والكتابة، وكل منهم بحاجة لأساليب تعامل تتواءم مع فهمه وتوقعاته، ومهما حاولت جمع الجوانب السابقة في مؤسسة خدمية واحدة غير المستشفى فلن يمكنك ذلك، مما يستدعي منك إلى مــــزيد............ ومــــزيد ،........ من التفكير،........ . قبل أن تصبح مديراً، وبالتوفيق.